أطلقت الحكومة البريطانية استشارة مدتها 12 أسبوعاً حول تبسيط تقارير الشركات السنوية، في إطار حملة أوسع لتقليص ما تسميه «البيروقراطية». لكن الاستشارة تقترح حذف معلومات جوهرية من التقارير وتفترض ضمنياً أن الغرض الأساسي من هذه التقارير هو خدمة مصالح المساهمين، وليس بقية الأطراف المعنية مثل العمال والمجتمع، وهو ما اعتبرته صحيفة الغارديان خطوة في الاتجاه الخاطئ تتعارض مع تعهدات سياسية سابقة بإنهاء النهج النيوليبرالي في إدارة الشركات.
ما الذي تقترحه الاستشارة الحكومية؟
تأتي الاستشارة استكمالاً لحملة حكومة كير ستارمر ضد ما يُعرف بـ«الروتين الإداري» المفروض على الشركات، بحجة أن بعض التقارير السنوية أصبحت مفرطة الطول والتعقيد، إذ يصل متوسط طول التقرير السنوي لبعض الشركات إلى نحو 98 ألف كلمة. وتقر الغارديان بأن هناك بالفعل مجالات يمكن تبسيطها فعلياً دون الإضرار بجوهر المعلومات. غير أن المشكلة الأعمق، بحسب الصحيفة، تكمن في الفلسفة التي تقوم عليها الاستشارة، إذ تنطلق من افتراض أن الغرض الأساسي من تقارير الشركات هو تلبية احتياجات المساهمين فقط، متجاهلة بذلك أدوار أصحاب المصلحة الآخرين مثل الموظفين والمجتمعات المحلية والبيئة.
لماذا يُعد هذا التوجه استمراراً للنيوليبرالية؟
يعود جذر الجدل إلى مقال شهير كتبه الاقتصادي ميلتون فريدمان عام 1970 في صحيفة نيويورك تايمز، جادل فيه بأن «المسؤولية الاجتماعية الوحيدة للشركات هي زيادة أرباحها»، واصفاً أي اهتمام من الرؤساء التنفيذيين بتوفير وظائف جيدة بأنه «اشتراكية خالصة». هذه الرؤية شكلت لعقود الفكر الاقتصادي النيوليبرالي الذي اعتبر الشركات أداة لخدمة مصالح المساهمين حصرياً. ووفق الصحيفة، لا تزال آثار هذا الفكر واضحة حتى اليوم، إذ يتقاضى الرؤساء التنفيذيون في بريطانيا رواتب تعادل نحو 130 ضعف متوسط أجر العامل العادي.
لا يزال السؤال حول الغاية من وجود الشركات مسألة سياسية بامتياز، ولا يمكن فصله عن تصور المجتمع لدور الأعمال تجاه العاملين والمواطنين.
وتشير الغارديان إلى أن هذا التناقض يبرز بشكل خاص في ضوء تعهدات سياسية سابقة، من بينها وعد أطلقه أندي بيرنهام بإنهاء النيوليبرالية، في حين أن الاستشارة الحالية، إذا ما اعتُمدت كما هي، قد تُرسخ من جديد المنطق ذاته الذي يقدّم مصالح حملة الأسهم على حساب بقية أطراف المجتمع، بدلاً من إصلاح جذري في مفهوم مسؤولية الشركات.

